التلخيص

التلخيص     Summarizing

 

  1. المفهوم Concept

“التلخيص” هو ضرب من ضروب الكتابة يعمد فيه الكاتب إلى عرض صورة مصغرة لأي نص كتابي نثري، أي تقديمه في كلمات أقل، وذلك بالتقاط أفكاره العامة، وترك التفاصيل، مع المحافظة على سلامة جوهره، ووحدة عناصره، وتماسك أجزائه.  ويسمى النص الناتج عن التلخيص “ملخَّصا” أو “خُِلاصة”، وتشيع هذه التسمية في الدراسات والأبحاث والتقارير العلمية الطويلة، حين يلخصها أصحابها للقارئ كي يتخذ قرارا حول قراءتها.

  1. الأهداف Objectives

التلخيص يجعل محتوى الموضوع الكتابي في متناول القارئ، حين لا يملك الوقت الكافي لقراءته، أو لا يستطيع الحصول عليه، أو حين لا يصل اهتمامه به إلى حد اتخاذ قرار بقراءته كاملا، حتى لو امتلك الوقت والاستطاعة.  فالطالب قد يحتاج إلى ملخص لمقرر جامعي، يساعده في لم شتات موضوعات المساق؛ وأصحاب الاختصاص يحتاجون إلى ملخصات للمقالات ذات العلاقة بحقول اختصاصاتهم، ليعرفوا النتائج الجديدة التي تم التوصل إليها، أو ليعودوا إلى المقالات نفسها إن فهموا من الملخصات أنها تتناول مسائل وثيقة الصلة بتخصصاتهم؛ وكذلك، يحتاج المسؤولون الكبار إلى ملخصات التقارير الكبيرة ذات الصلة بدوائر عملهم، لأن وقتهم، في العادة، لا يتسع للاطلاع على مثل هذه التقارير بحذافيرها.

  1. الأنماط Styles

3. 1. التلخيص الإطاري Framework Summary

سريع للموضوع الكتابي، يهتم فقط بفكرته العامة والمحاور الرئيسية المنبثقة منها، مهملا المحاور الفرعية عموما، فضلا عن أي من تفاصيلها.  ولذلك، لا يتجاوز هذا النوع من التلخيص فقرة واحدة تتألف من بضع جمل متفاوتة الطول، أو من بضعة عشر سطرا.  وتتخذ هذه الفقرة شكل فقرة فعلية، محورها الفكرة العامة للموضوع، وتفاصيلها محاور الموضوع الرئيسية.  والموضوع الملخص تلخيصا إطاريا قد يكون مقالا قصيرا في صحيفة أو مجلة، أو تقريرا، وقد يكون بحثا طويلا في دورية علمية، أو كتابا.


  1. 2. التلخيص المقالي Essay Summary 

عرض مفصل نسبيا للموضوع الكتابي، يظهر في شكل مقال مكتمل، مكون من مقدمة وعرض وخاتمة، ويكون فيه للكاتب الملخص حضور قوي، يتضح من خلال أسلوب عرض الأفكار والربط بينها؛ ولذلك، لا بد أن يكون الموضوع كبير الحجم—كتابا، أو بحثا طويلا في دورية علمية، أو تقريرا موسعا.  وتتكون المقدمة، في العادة، من التعريف بالموضوع الكتابي، والتعريف بصاحبه، ثم الإعلان عما يريد هذا الأخير أن يوصله إلى القراء في نهاية المطاف، أي عن الفكرة العامة للموضوع.  ويتكون العرض من فقرات، كل منها تقدم محورا من محاور الموضوع، أو جانبا من جوانبه، مصحوبا بما يجعله حقيقيا وحيا، مع بعض التفاصيل المختارة.  أما الخاتمة فتعيد القارئ إلى فكرة الموضوع ذي العلاقة وتسجل، في كلمات قليلة، تقييم الملخص له، أو موقفه منه.  والتلخيص، بهذا المفهوم، يمثل عرضا للكتاب.

  1. 3. التلخيص الأصم Objective Summary

يتفق التلخيص الأصم مع النوع السابق في أنه عرض مفصل نسبيا لموضوع كتابي كبير، لكنه يختلف عنه في أنه مجرد سرد لمحتويات الموضوع في إطارها العام، من غير ظهور لشخصية الملخص.  فالكاتب الملخص، في هذه الحالة، يقف عند حد تقديم ما ورد في قائمة المحتويات، لكن في شكل أفكار، لا في شكل بنود أو “نقاط”، مع تزويد هذه العناصر ببعض التفاصيل المختارة.  وهذا النوع من التلخيص يتكون من فقرات، تتعدد بتعدد أجزاء الموضوع الرئيسية، لكنه لا يشتمل على خاتمة.

4. الآلية Mechanism

يقوم التلخيص أساسا على رصد الفكرة العامة للعمل المراد تلخيصه، ورصد محاور تلك الفكرة، الرئيسية منها والفرعية.  ولذلك، إذا كان الكاتب الأصيل قد بنى موضوعه بناء سليما، حسب الأصول الكتابية المتعارف عليها، فسوف يجنب الملخص كثيرا من العناء في محاولة الرصد تلك، ويجنبه أيضا تكرار قراءة الموضوع.  لكن الموضوعات الكتابية ليست مبنية جميعها حسب الأصول الكتابية المتعارف عليها؛ في الواقع، قليل مما ينشر منها في عالمنا العربي مبني حسب هذه الأصول.  وإذا كان الأمر كذلك، فعلى الملخص أن يكد من أجل أن يستخرج الفكرة النهائية للموضوع ذي العلاقة، والمحاور الرئيسية لهذه الفكرة وما يتفرع منها، مستفيدا، أحيانا، من العناوين، إن وجدت.  الآلية Mechanism

  1. الخطوات Steps
  • اقرأ الموضوع قراءة متأنية، من غير تسجيل ملاحظات من أي نوع كان؛ فهدفك أن تتابع ما يقوله الكاتب وأن تمتلك فكرة عامة عن الموضوع.
  • بعد أن تكمل قراءة الموضوع، اكتب جملة تحدد فيها غرض الكاتب، أي الرسالة التي يريد إيصالها إلى القارئ. وحالما تكتب هذه الجملة، عد إلى أطروحة الكاتب نفسه، إن كان قد نص عليها في المقدمة، ووازن بينها وبين مضمون جملتك؛ فإن وجدت بينهما اختلافا، فأعد صياغة جملتك لتتفق في مضمونها مع أطروحة الكاتب تماما. أما إذا لم تكن هناك أطروحة منصوص عليها في المقدمة نصا مباشرا، فاعتمد جملتك بوصفها ممثلة لهذه الأطروحة.
  • اقرأ الموضوع ثانية، هذه المرة لتضع خطا تحت كل ما يبدو لك أنه يمثل ركيزة من ركائز أطروحة الكاتب. وهذه الركائز هي محاور الموضوع أساسا والأفكار المفصلية فيها. وقد تضع خطوطا تحت كلمات أو عبارات، ذات دلالات مهمة في الموضوع، وليس فقط تحت جمل تامة.  انتبه إلى بعض عبارات الربط ذات القيمة الخاصة، وأعلمها أيضا، وفي المقابل، أهمل كل التفاصيل الدقيقة، والأمثلة، ومواطن الوصف والسرد، والشروح غير الضرورية.
  • ابتدئ الملخص بالتعريف بالكاتب، وبموضوعه، في جملة واحدة، ثم أعلن عن الفكرة العامة للموضوع، وقدم كل الحقائق المهمة، في لغة مترابطة. أفرد لكل جانب رئيسي في الموضوع فقرة فعلية خاصة به، معلنا فيها عن الوجهة العامة لهذا الجانب، ثم عن الحقائق الأساسية المتصلة بها.
  • أوجز، بلا إخلال بوضوح الفكرة وقوة العبارة، واستخدم الجمل التعبيرية المركبة والمتداخلة، بحيث تحشد في موطن واحد أفكارا متعددة، لكن في لغة مستقيمة.
  • اختم التلخيص بقفلة تبين فيها أهمية الموضوع، وأثره في حقله المعرفي، وذلك من وجهة نظر الكاتب، وليس من وجهة نظرك أنت.
  1. نصائح Tips
  • تأكد من أن ملخصك صحيح ودقيق: هل عبرت عن أطروحة الكاتب كما هي؛ هل أوردت كل الحقائق الأساسية، ولم تغفل منها شيئا؛ هل كل شيء موضوع في مكانه ومتماسك؟
  • تأكد من أن ملخصك مناسب من حيث الحجم: إن كان أكبر مما تريد، فافحص ما إذا كانت هناك جمل غير ضرورية واحذفها، ثم أعد صياغة بعض الجمل الضرورية لتجعلها أقصر، لكن من غير أن تفقد شيئا من محتواها.
  • دع شخصا مناسبا يقرأ لك الملخص، واطلب منه تسجيل ملاحظات تتعلق بوضوح أفكارك، وتسلسلها، وتماسكها، وتتعلق أيضا بمحدودية حضورك الذاتي؛ واستفد من هذه الملاحظات.
  • تأكد، قبل الاستقرار على المسودة النهائية، أن ملخصك يخلو تماما من الأخطاء في اللغة والتركيب.
  1. نموذج Sample

النموذج التالي يمثل ملخصا لكتاب باتريشا كرون Meccan Trade and the Rise of Islam   وله صورتان: الأولى تمثل التلخيص الإطاري، والأرقام فيها تشير إلى محاور الكتاب؛ والثانية تمثل التلخيص المقالي، ويظهر فيها كيف أتبعت كل فكرة محورية بتفريعاتها.)

الإطار العام لموضوع كتاب   Meccan Trade and the Rise of Islam

* لم تكن مكة قبل الإسلام إمبراطورية تجارية كما يعتقد عامة الدارسين.

  1. موقعها لم يكن يؤهلها لتكون إمبراطورية تجارية.
  2. جغرافية نشاطها التجاري كانت، في حقيقة الأمر، ضيقة جداً.
  3. سلع تجارتها كانت أولية.
  4. المصادر غير العربية لا تذكر مكة ولا تجارتها.
  5. هي نفسها لم تكن، في الواقع، مركزاً دينياً للعرب يساعد في ازدهار تجارتها.

الصورة الأولى (التلخيص الإطاري)

في هذا الكتاب، تسعى الباحثة إلى هدم الاعتقاد الشائع حول تجارة مكة.  فهي ترى، على النقيض مما هو مألوف في الدراسات المعاصرة، أن مكة لم تكن إمبراطورية تجارية قبل الإسلام.  وخلال مناقشاتها، تثبت أن موقع مكة لم يكن يؤهلها لتكون نواة لحركة تجارية ضخمة، وأن سلعها التجارية كانت، في الواقع، بدائية وبسيطة، بحيث لا تساعد في تأسيس مثل تلك الحركة.  وتؤكد الباحثة كذلك أن المصادر غير العربية لا تذكر مكة ولا تشير إلى تجارتها، وهذا يدل على أن تجارتها لم تكن معروفة خارج نطاق الجزيرة العربية.  حتى في الجزيرة العربية نفسها، كان المكيون، كما ترى الباحثة، يتحركون في نطاق محدود.  وتناقش الباحثة أيضا الحرمة الدينية لمكة والمكيين، وذلك لأن الاعتقاد بعظمة تجارة مكة قد ارتبط بكونها مركزاً للحج عند العرب، وتنتهي إلى رفض هذه المقولة جملة وتفصيلا.

الصورة الثانية (التلخيص المقالي)

كتاب “التجارة المكية وظهور الإسلام”، لباتريشا كرون صدر في سنة 1987؛ وهو من القطع المتوسط، ويتكون من 235 صفحة.  وتسعى فيه الباحثة، وهي استاذة في التاريخ الإسلامي بجامعة أكسفورد، إلى هدم الاعتقاد الشائع حول تجارة مكة.

فهي ترى، على النقيض مما هو مألوف في الدراسات المعاصرة، أن مكة لم تكن إمبراطورية تجارية قبل الإسلام.  فموقع مكة، من وجهة نظرها، لم يكن يؤهلها لتكون نواة لحركة تجارية ضخمة.  فلم تكن مكة مدينة بحرية، تستفيد من الإمكانات التي يوفرها البحر لتنمية تجارتها، ولا هي كانت مدينة زراعية أو صناعية، فضلا عن انها لم تكن واقعة على خط التجارة البري بين اليمن والشام، وبالتالي، لم تكن محطة تجارية.  وتناقش الباحثة أيضاً الروايات الخاصة بالسلع التي كان يتاجر بها المكيون، وتنتهي إلى أن هذه السلع لم تكن كافية لمزاولة تجارة مزدهرة.  فقد كانت سلعاً بدائية اقتصرت على الجلود والأصواف والأطعمة، وإلى حد قليل، على الخمور والعطور.  لكنها لم تكن من ذلك النوع الثمين المطلوب عالميا، كالتوابل والبهارات والبخور والمعادن الثمينة.  والاعتقاد بأن المكيين كانوا يتاجرون بهذه السلع الكمالية إنما يعود إلى تأثيرات يمنية قديمة؛ إذ كان اليمنيون أيام ازدهار ممالكهم يتاجرون بهذه السلع، فنسبت بعد ذلك إلى المكيين.

وتذهب الباحثة إلى أن تجارة مكة لو كانت دولية لوردت الإشارة إليها في كتابات الإغريق أو البيزنطيين أو السريان، على نحو ما وردت إلى مراكز تجارية أخرى في الجزيرة العربية كانت قد حققت نجاحا تجاريا كبيرا.  وهذه الحقيقة تدل على أن تجارة مكة لم تكن معروفة خارج حدود جزيرة العرب.  حتى في الجزيرة العربية نفسها كان المكيون، كما ترى الباحثة، يتحركون في نطاق محدود.  فنشاطهم التجاري لم يتجاوز جنوبي الشام وشمالي اليمن.  أما في سائر أنحاء الجزيرة فلا يُعرف عن نشاهم التجاري شيء ذو بال.  وكذلك، كما تقول، تبدو الإشارات الخاصة بتجارتهم المزعومة مع البلاد المجاورة لجزيرة العرب غامضة وعديمة القيمة.

وفي أواخر الكتاب، تناقش الباحثة المقولة الخاصة بحرمة مكة والمكيين وكون مدينتهم محجا للعرب، وتنتهي إلى أن هذه المقولة لا أساس لها من الصحة.  فالعرب كانوا يبدأون حجهم خارج مكة وينتهون منه خارج مكة، ولم يكونوا يؤدون أية شعائر في مكة نفسها.  فقط في الإسلام، أصبحت مكة مركزاً للحج، ومع الزمن ظن الناس أنها كانت كذلك في الجاهلية أيضا.  أما الروايات التي تدعي للمكيين حرمة دينية أثناء تنقلهم في الجزيرة العربية فهي مبالغ فيها إلى حد كبير، كما تثبت الباحثة.  وهي تلفت النظر إلى أن الأعراف السائدة قديما لم تكن تسمح للقرشيين بأن يكونوا أصحاب حرمة دينية وتجارا في الوقت نفسه.

 

حقوق النشر محفوظة لـ مركز القلقشندي للكتابة و الترجمة و البحث العملي © 2017 تصميم | شركة ركن الابداع للحلول البرمجية و التسويق الالكتروني