ترقيم الجملة

الترقيم 

نظام الترقيم المستخدم في الكتابة العربية نشأ وتطور في الغرب.  وتعود بداياته إلى ما بعد اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر للميلاد، ثم راح يتطور عبر القرون اللاحقة حتى وصل إلى ما هو عليه الآن؛ في الواقع، حتى القرن التاسع، لم يكن الكُتّاب في الغالب يتركون مسافة كافية بين الكلمة والأخرى.  وقبل الطباعة، كان تعليم الخطابة يحتاج إلى علامات تبين أين وكيف ينبغي للخطيب أن يقف، وذلك لأغراض التأكيد والتوضيح والتأثير.  ولهذا، كان الترقيم يعتمد آنذاك على الصوت أكثر مما كان يعتمد على البنية المنطقية للجملة المكتوبة.  لكن بعد اختراع الطباعة، راح اللغويون يطورون نظرية في الترقيم تلتفت، أساسا، إلى تلك البنية.  ولم تستقر قواعد الترقيم إلا في القرن التاسع عشر.

أما تسميات علامات الترقيم فيعود بعضها إلى فترات قديمة جدا.  فتسميات مثل: period (الوقفة)؛ comma (الفاصلة)؛colon (الشارحة) إنما وضعها عاملون في مكتبة الإسكندرية في القرن الثالث قبل الميلاد (المكتبة أسست في مطلع ذلك القرن)، لكن رموزها ودلالاتها كانت تختلف عما هي عليه الآن.  أما الواصلة فقد ظهرت حوالي القرن الحادي عشر، ثم تطورت استخداماتها من بعد.  يضاف إلى ذلك أن بعض المخطوطات الإغريقية كانت تفصل بين وحدات النص الواحد بخطوط أفقية، وكانت الواحدة من تلك الوحدات تسمى “Paragraph” (فقرة)؛ وفي القرن السابع عشر، راح السطر الأول من الفقرة يقصر عن سائر سطورها حتى أصبح عرفا.

وربما كان لنشأة الترقيم وتطوره في الغرب صلة بمكانته المركزية عند الغربيين، في مقابل مكانته الهامشية في الثقافة العربية.  ففي حين يخصص له الغربيون كتبا، وفي حين لا يخلو أي كتاب مرجعي عن الكتابة في جامعاتهم من فصل مخصص للترقيم، فمازالت مدارسنا تقدمه في صفحتين أو ثلاث، وأقسام اللغة العربية في جامعاتنا تخصص له محاضرة أو بعض محاضرة.  أما مدرسو العربية، هنا وهناك، فلا يعيرونه أي اهتمام عند تصحيح نماذج طلبتهم الكتابية أو أوراق امتحاناتهم.

وإهمال الترقيم في نظامنا التعليمي يتعارض مع أهميته الأساسية في التعبير.  فالترقيم يساعد القارئ على القراءة الصحيحة، أي يساعده، أولا، في رؤية الحدود بين أقصر وحدات تفكير مستقلة في الفقرة الواحدة، أي الجمل بمفهومها التعبيري، وثانيا، في فهم شكل الارتباط، كما يراه الكاتب، بين مكونات كل وحدة من وحدات التفكير هذه، وثالثا، في تحديد القيم النحوية عند الحاجة.  انظروا، مثلا، إلى الجملة التالية:

حين قامت الناصرية، برزت معها آمال جديدة: بدت الوحدة في متناول اليد، والتصدي العسكري للصهيونية أمرا واقعا، وإقامة المجتمع الاشتراكي قريبة التحقيق. (هشام شرابي، البنية البطركية: بحث في المجتمع العربي المعاصر، ص 7)

ففي هذه الجملة، استخدمت الفاصلة بين الجملة الرئيسية وأحد متعلقاتها عندما تقدم هذا الأخير عليها، في حين استخدمت الشارحة لتقسيم الجملة إلى عنصريها الكبيرين: الكلي، وأجزاء الكلي؛ أما الفواصل داخل القائمة فقد عزلت كل سبب من الأسباب على حدة؛ وأخيرا، جاءت الوقفة لتختم الجملة بأسرها.  وهذا هو ما أقصده بالقيم النحوية المؤثرة في استخدام الترقيم.

لكن، في مقابل ذلك، انظروا إلى الجملة التالية:

وبما أنه لم ينشأ، في عهد الرسول، شكل تنظيمي محدد لشؤون اللغة والدين، وحتى لشؤون الاجتماع والسياسة، ولم يكن القرآن والسنة، بهذا المعنى، إلا منهجا للعمل والفكر، فقد كان من الطبيعي أن يؤدي غياب الرسول إلى اجتهادات في فهم هذه الشؤون، تفاوتت بل تباينت أحيانا. (أدونيس، الثابت والمتحول: بحث في الاتباع والإبداع عند العرب، ج1، ص125)

لم يكن أدونيس يحتاج إلى فصل عبارة “في عهد الرسول” لتوضيح أي جانب نحوي في الجملة، وإنما كان غرضه التأكيد.  فحين فصل العبارة منحها قدرا من الاستقلال، وبالتالي أكدها، وأدى للقارئ رسالة تقول شيئا نحو: “انتبه، أنا أقصد في عهد الرسول بالذات، وليس في أي زمن آخر.  (الفواصل الأخرى في الجملة، في المقابل، أدت وظيفتها بالمعنى الأكثر شيوعا، مشيرة إلى البنية النحوية، أو العرف.)  فللترقيم، إذن، وظيفة أساسية في الكتابة، وعلى أساس ذلك، يجب أن نتعامل معه.

والترقيم ليس نظاما بسيطا، بل هو نظام مركب.  فهو ليس محكوما بمجموعة من الأوامر فقط: في هذا الموطن استخدموا الفاصلة، وفي ذلك الموطن استخدموا الرابطة (الفاصلة المنقوطة)، وفي هذه الحالة استخدموا العارضة (الشرطة)، وفي تلك استخدموا الشارحة (النقطتان الرأسيتان)؛ ولكنه حزمة من القوانين الحاسمة، والأعراف العامة، والخيارات الفردية.  على سبيل المثال، حين يختتم الواحد منكم جملة تعبيرية بالوقفة فإنه بذلك ينفذ قانونا غير خاضع للجدل.  في المقابل، حين يضع فواصل بين جمل داخلية متساوية الأهمية، نحو:

قدمت له اللجنة تقريرا حول ما تم إنجازه خلال الشهر الماضي، وأطلعته على جميع المراسلات مع الشركات اليابانية العاملة في حقل الإلكترونيات، ونبهته إلى ضرورة المشاركة في المؤتمر الذي سيعقد في مانيلا،

فإنه لا ينفذ قانونا، بل يراعي عرفا؛ والعرف يتم تجاهله أحيانا، خاصة إذا كانت الجمل ذات العلاقة قصيرة وغير معقدة.  وفي بعض الحالات، يستخدم الكاتب الفاصلة أو غيرها من علامات الترقيم دون تقيد بالعرف، لأنه يريد من القراء أن يقرأوا نصه بطريقة استثنائية على صعيد الإيقاع أو على صعيد التأكيد.

لكن في حين قد يبدو الترقيم، كما يستخدمه الكتاب الجيدون، مزيجا من القوانين، والأعراف، والرؤى الخاصة، فهو لا يعتمد على المزاج في اتباع أي من هذه القواعد.  فحتى تستطيعوا أن ترقموا ترقيما سليما وفعالا، يجب أن تتعلموا متى يكون القانون حاسما، ومتى يسمح لكم العرف بخيارات أخرى (وبالطبع، ما هي هذه الخيارات)، ومتى يمكنكم أن تعملوا بهدي رؤاكم الخاصة لكن من غير أن تضللوا القارئ.  أيضا، ينبغي لكم أن تضعوا القارئ في حسبانكم دائما.  فالقراء غير المتمرسين، مثلا، يحتاجون إلى عون الترقيم أكثر مما يحتاج إليه غيرهم من أصحاب الثقافة الواسعة.

وهكذا، خلال المناقشة القادمة لعلامات الترقيم، سيجري التمييز، طالما كان ذلك متيسرا، بين القوانين، والأعراف، والرؤى الخاصة.  وأحيانا، قد يبدو التمييز مربكا قليلا، لكن ليس من المستحسن أن نسن قوانين سهلة حول كيفية التعامل مع الترقيم؛ تعليمات من هذا القبيل يمكن أن تكون واضحة، لكنها لا تصف ما يحدث حقيقة.  بدلا من ذلك، يجب أن نراقب ما يقوم به الكتاب الحاذقون.  ولكي تتغلبوا على بعض الصعوبات في هذا المجال، تذكروا أن الوضوح في الاتصال بالقارئ هو القانون البسيط الأوحد الذي يحكم كل عمليات الترقيم الناجحة.  وتذكروا أيضا أن القانون ليس شيئا تفرضونه على الجملة بعد أن تكونوا قد كتبتموها.  فعلامات الترقيم جزء لا يتجزأ من قواعد اللغة وطريقة التعبير، وهي تحدث جميعا في وقت واحد.  وحين يرتكب الكاتب أخطاء في الترقيم، فإنه بذلك يكشف عن حالة من التشوش إزاء طريقة بناء الجملة أكثر مما يكشف عن اتجاهه إلى كسر قانون أو خروج على عرف.

وقد درج الناس في العالم العربي على تسمية علامات الترقيم تبعا لرسمها، في الغالب، وليس تبعا لوظيفتها كما هو الحال في الغرب، فقالوا: “النقطة” و”القوسان” (أو الهلالان) و”المعقوفتان” و”الفاصلة المنقوطة” و”النقطتان الرأسيتان” و”الشرطة”.  وهذا المنهج الشكلي في التسمية ساهم، من حيث لا يدري أصحابه، في غموض نظام الترقيم في أذهان مستخدميه، لأن تسمية علامة الترقيم إذا ما انبثقت من وظيفتها، لكانت كالناقوس يقرع بهذه الوظيفة في رأس الكاتب كلما أقبل على استخدام العلامة.  فعلامة “القوسان”، مثلا، تسمى في الإنجليزية “parenthesis”، وهي مفردة ذات أصل لاتيني، تعني “إلى جانب النص”‘ أي أنها تستخدم لتحديد مواد لا يعدها الكاتب جزءا من الجملة.  من هنا، ليس هناك كاتب غربي يستخدم هذه العلامة لتحديد مادة ينجم عن حذفها اختلال في معنى الجملة أو مبناها، في حين يستخدمها عامة الكتاب العرب مع مواد تدخل في أصل مبنىالجملة ومعناها.  ولهذا السبب، سيجد زوار الموقع أنفسهم أمام تسميات جديدة لكثير من علامات الترقيم، استنبطت من وظيفتها، دون أية محاولة لترجمة المسمى الغربي ترجمة حرفية.

وفي ملاحظة أخيرة، أرجو استرعاء الانتباه إلى أن قواعد الترقيم، كما هي مقدمة هنا، مؤسسة، أولا، على دراسة هذا النظام في مظانه في الغرب، وثانيا، على ملاحظة استخدامه من جانب عدد من الكتاب العرب المرموقين، من ذوي الاتصال الوثيق بالثقافة الغربية، مثل أدونيس في “الثابت والمتحول: بحث في الاتباع ةالإبداع عند العرب”، وهشام شرابي في “البنية البطركية: بحث في المجتمع العربي المعاصر”، وكمال أبو ديب في “جدلية الخفاء والتجلي: دراسات بنيوية في الشعر”، وناصر الدين الأسد في “مصادر الشعر الجاهلي”، وعبد الرحمن بدوي في “مذاهب الإسلاميين”، وناصيف نصار في “تصورات الأمة المعاصرة: دراسة تحليلية لمفاهيم الأمة في الفكر العربي الحديث والمعاصر”، وعبد الكريم الخطيبي في “النقد المزدوح”، وغالي شكري في “النهضة والسقوط”.  فلدى هؤلاء الكتاب، كما هو بين في مؤلفاتهم، تمثل واضح لنظام الترقيم، وإحساس عميق بوظائف رموزه ودلالاتها الموضوعية والشعورية.

 

حقوق النشر محفوظة لـ مركز القلقشندي للكتابة و الترجمة و البحث العملي © 2017 تصميم | شركة ركن الابداع للحلول البرمجية و التسويق الالكتروني