تركيب الجملة

الكاتب يختلف عن المتحدث في جوانب أهمها أنه يملك وقتا كافيا للعناية بلغة خطابه، فيفترض فيه، لذلك، ألا يترك جمله تأخذ طريقها إلى الورقة كما ارتسمت في ذهنه أول وهلة.  ولا شك في أن كثيرا من التراكيب السليمة تنشأ تلقائيا، أي تولد في الذهن بشكل مناسب ومقبول، وذلك بسبب المعرفة الباطنة لدى الكاتب بأشكال الصياغة العادية في لغته.  فمثلا، تراكيب من نحو:

“يقع مستشفى الملكة علياء على تلة عالية،” و

“قضى والده في الولايات المتحدة فترة تزيد على ثلاثين عاما قبل أن يعود إلى الوطن ومعه ثروة ضخمة،”

تترتب تلقائيا كما هو حال كثير من الجمل القصيرة وأشباه الجمل.  والفضل في ذلك يعود إلى سيطرة الكاتب الطبيعية على بنية لغته.

لكن نوع الجمل المكتوبة يخضع، في المقابل، للانتقاء؛ وكلما كانت الفكرة (الجزئية) معقدة أكثر، أنفق الكاتب في التفكير في صياغتها.  وحين يتعذر على الكاتب منح هذا الوقت فإنها تؤول، في الغالب، إلى صياغة ضعيفة أو متوسطة.  ففي نموذج كتابي متصل بغيرة النساء، مثلا، وردت الجملة التالية:

وممكن الزوجة تكون خبيثة مع زوجها وتناوله ربطة، مع علمها أنها غير مناسبة لبدلته.

فكاتب هذه الجملة لم يعتن بصياغة جملته، أي لم يؤلفها تأليفا، ولذلك، جاءت ضعيفة مهلهلة.  لكن هذا الكاتب نفسه، وهو أحد الطلبة، حين تلقى إرشادات حول تركيب الجملة، وطلبت منه أن يصوغها من جديد، كانت النتيجة:

وقد تخدع الزوجة زوجها حين تختار له ربطة عنق، فتختارها غير مناسبة للون بزته.

وعملية تأليف الجملة، في الكتابة الحقيقية، قد تمر في أربع مراحل.  ففي المرحلة الأولى، يعالج الكاتب صياغة جمله لحظة نشوئها في ذهنه؛ ثم، في المرحلة الثانية، قد يدخل عليها تعديلات وهو يسطرها على الورقة، أو قد يجري هذه التعديلات عند فراغه من كتابة الجملة، فيحذف هنا ويزيد هناك، ويقدم بعض المكونات ويؤخر أخرى ويستبدل ألفاظا بألفاظ؛ وربما يجري مثل هذه التعديلات وهو يكتب الجملة وكذلك بعد فراغه من كتابتها.  ثم، في المرحلة الأخيرة، يعود إلى الموضوع  بعد الانتهاء منه ويقرأه مرة ثانية؛ وفي الأحوال العادية، يجري تعديلات جديدة في هذه المرة أيضا.

وحين يفعل الكاتب ذلك، فهو ينقح تراكيبه ليخلصها من مظاهر الضعف، أو ليجعلها أدق تعبيرا عن أفكاره.  وهذا التنقيح يبدو أكثر تعقيدا من أن يتم استقصاء تجلياته استقصاء كاملا؛ لكن، مع ذلك، يمكن أن نرصد عددا وافرا من هذه التجليات، ونؤطرها بأربعة أطر رئيسية: صحة الربط؛ اقتصاد الجملة؛ دقة اللفظ؛ سلاسة الصياغة.

 

حقوق النشر محفوظة لـ مركز القلقشندي للكتابة و الترجمة و البحث العملي © 2017 تصميم | شركة ركن الابداع للحلول البرمجية و التسويق الالكتروني