قصتنا

بقلم الأستاذ الدكتور عرسان الراميني

“القلقشندي للكتابة والبحث العلمي” حلم طاف بخيالي منذ سنوات طويلة، ولاح في تجليات جميلة، هادئة أحيانا وصاخبة أحيانا أخرى؛ وحين تحقق أخيرا لم يتحقق كما أردته أن يتحقق بالضبط. أردته أن يتحقق داخل أسوار الجامعة وليس خارجها. ولا أقصد جامعة بعينها، وإنما أقصد أية جامعة في أردننا، الحبيب. وكان لهذا الحلم حكاية تعود إلى أول فصل توليت فيه تدريس مساق “الكتابة” قبل ربع قرن من الزمن. انتبهت حينذاك أول مرة إلى أن علم “الكتابة”، الذي نشأ وتطور في الغرب عبر عقود طويلة ليس له وجود في المؤسسات التعليمية في العالم العربي، وعرفت أن حقائق أساسية في الكتابة يعرفها تلامذة المدارس الغربية بينما أجهلها أنا ويجهلها زملائي عموما مع أننا نحمل شهادة الدكتوراه في “اللغة العربية وآدابها”.

والسبب في ذلك واضح. فنظام التعليم العالي في الغرب يشتمل على تخصص “الكتابة”، بحيث يتيح لخريجي أقسام اللغات القومية أن يتابعوا دراستهم العليا في هذا التخصص، ويحصلوا على شهادات تؤهلهم لتدريس مادة “الكتابة” لطلبة الجامعات، ومنهم طلبة تلك الأقسام، وحين يتخرج هؤلاء الطلبة ويخدمون في المدارس فإنهم يتولون تعليم مواد اللغة وهم يمتلكون مناهج واضحة ومحددة المعالم في إدارة حصة “التعبير”. بمعنى آخر، منذ زمن طويل توقف النظام التعليمي في الغرب عن أن يتعامل مع الكتابة على أنها ظاهرة لغوية أدبية أصلا، فينشغل، بالتالي، في تحليل مكوناتها النحوية والصرفية، والبديعية والبيانية.  لقد توقف هذا النظام عن ذلك، وراح، بفعل تسارع حركة التطور التكنولوجي وتعقد حاجات المجتمع المعاصر، يهتم بالأغراض العملية للكتابة، ويسن القوانين ويضع القواعد للوفاء بهذه الأغراض.  وهكذا، في الغرب، انشق الجانب الأعظم من الكتابة عن علوم اللغة والأدب، وأصبح يشكل علما قائما بذاته، له مبادئه وأصوله، وفيه متخصصون قيمون عليه.

أما نظام التعليم في الدول العربية، في المقابل، فيخلو من تخصص “الكتابة” وبالنتيجة الحتمية، من متخصصيها؛ ولذلك، ظل هذا النظام يتعامل مع الكتابة تعاملا تقليديا، سواء في المرحلة المدرسية أم الجامعية، وبقي، من ثمّ، يحصر اهتمامه بالبنية الشكلية والجمالية للغة، نحوا وصرفا وبلاغة، ويهمل، في الجانب الآخر، بنيتها الفكرية وما يرتبط بها من آليات تحقيق أهداف العملية الكتابية. لهذا السبب، راحت مؤسسات التعليم في البلاد العربية تخرج أجيالا من غير أن تؤهلهم تأهيلا حقيقيا لممارسة أهم نشاط مواكب لعملهم في حقول تخصصاتهم المختلفة—الكتابة.  صحيح أن الخطط الدراسية في بعض الأقسام تشتمل على مساقات في الكتابة التخصصية، لكن الإرشادات في هذا المضمار تصل الطلبة في أشكال وقوالب منمذجة، مفصولة عن قواعد الكتابة العامة. وهذا يشبه أن يصبح المرء طبيبا متخصصا قبل أن يكون طبيبا عاما. بعبارة أخرى، كان لا بد، مع هذه الثغرة الكبيرة في نظامنا التعليمي، من أن نرى ما نراه في مدارسنا وجامعاتنا من ضعف لدى طلبتنا في استخدام الكتابة للتعبير عن مخزونات عقولهم ومكنونات صدورهم.

وفي خطوة أولية لسد هذه الثغرة في نظامنا التعليمي أعددت منذ عشر سنوات مشروعا وطنيا ضخما وتقدمت به، من أجل رعايته، إلى وزارة التربية والتعليم ثم إلى الجمعية العلمية الملكية، لكن لم ألق ردا من أي منهما. بعد ذلك، عدلته إلى مشروع يسعى إلى إنشاء مركز للكتابة في إحدى جامعاتنا، الأردنية، على مثال مراكز الكتابة في الجامعات الغربية. فهذه الجامعات تشتمل على مراكز تقدم لطلبتها خدمات تتعلق أساسا بأعمالهم الكتابية ذات الصلة بمقرراتهم الدراسية. فهؤلاء الطلبة، سواء من كان منهم في المرحلة الجامعية الأولى أم الثانية، يحتاجون جدا إلى توجيهات قائمة على أسس علمية، تساعدهم في كتابة بحوثهم، وإعداد تقاريرهم، وإنجاز مشاريع تخرجهم، وفق أصول متفق عليها عالميا؛ وهو ما تتكفل به تلك المراكز. وكذلك تقدم مراكز الكتابة في الجامعات الغربية خدمات للمدرسين والموظفين. فهي تبقي مدرسي الكتابة على معرفة بما يتطور ويستجد فيما يتعلق بطرق تقييم المدرس لكتابات طلبته، فضلا عن أصول اختيارها. أما الموظفون فإنهم يحتاجون إلى الاطلاع على أحدث الأنظمة المتعلقة بصياغة كتاباتهم المهنية، ونمذجتها، وتنسيقها؛ وهذه الحاجات تلبيها مراكز الكتابة تلك، عبر دورات تدريبية وورشات عمل متخصصة، تتعامل أساسا مع الكتابة الإدارية.

كان المشروع ضخما وطموحا جدا، وقد تقدمت به إلى جامعات حكومية وأخرى خاصة، لكنه لم يلق ما كنت أتوقعه من اهتمام، فكان قراري بعد تلك الرحلة الطويلة أن يتحقق الحلم خارج أسوار الجامعات. ومع أن للمشروع صفة تجارية إلا أنه يفتح للطلبة أذرعه، وليس أبوابه وحسب، في كل ساعات النهار لتقديم المشورة وإسداء النصح دون أي مقابل، بل إنه يدعوهم بقوة وإخلاص ليفعلوا ذلك حين يجدون أنفسهم في حاجة إلى المساعدة، في كتابة بحوثهم ومشاريع تخرجهم ورسائلهم العلمية ووضع مخططاتها، لكن من غير أن يكون بديلا عن أساتذتهم ومشرفيهم، وإنما هو متمم لهؤلاء ومكمل، وكذلك حين يجدون أنفسهم في حاجة إلى المساعدة في إعداد تقاريرهم أو إخراج سيرهم الوظيفية أو كتابة خطاباتهم الإدارية أو تنظيم المادة في دفاتر ملاحظاتهم أو حتى في كتاباتهم الإبداعية من قصائد وروايات وقصص وتمثيليات وخواطر؛ فهذا النصح والإرشاد والتوجيه يقدمه “القلقشندي للكتابة والبحث العلمي” عن طيب خاطر، بل يقدمه مبتهجا مسرورا.

 

حقوق النشر محفوظة لـ مركز القلقشندي للكتابة و الترجمة و البحث العملي © 2017 تصميم | شركة ركن الابداع للحلول البرمجية و التسويق الالكتروني