البحث العلمي

“البحث العلمي” نمط كتابي وظيفي يسعى فيه متخصص في علم من العلوم إلى إضافة جديد إلى المعرفة الإنسانية في حقل تخصصه، وذلك من خلال مناقشة لمصادر معلوماته تجري وفق أصول علمية متفق عليها. وسوف يتركز الاهتمام، هنا، في البحث المكتبي، بصفة خاصة، أي البحث الذي يتم أساسا في مكتبة، بين الكتب، في مقابل الأبحاث الإجرائية، التي تتم أساسا في المختبر أو في الميدان وتقوم على إجراء تجارب واستخدام استبانات وعمل إحصاءات وتطبيق قواعد القياس والتقويم.

وربما كان إعداد البحوث المكتبية يمثل أهم ممارساتكم الكتابية في هذه المرحلة من حياتكم، أي المرحلة الجامعية الأولى. صحيح أن هناك ممارسات كتابية مهمة أخرى، مثل تدوين ملاحظات المدرسين وتنظيمها، والإجابة عن أسئلة الامتحانات، وأحيانا كتابة مقالات في الصحف الصادرة في الجامعة أو في الصحف المحلية الأخرى، لكن إعداد البحوث هو الذي يكشف أكثر عن قدراتكم الكتابية، ليس فقط لأن الكتابة البحثية تتسم بالرصانة والوقار وتنتمي إلى عالم النخبة من المثقفين، بل أيضا لأنها تتطلب مهارة متقدمة وتستدعي معرفة بقدر من الشكليات غير قليل. واكتساب هذه المهارة ضروري على الرغم مما قد يبدو من أن المدرسين لا يهتمون سواء عرف طلبتهم أصول البحث العلمي أو لم يعرفوا. ربما هناك مدرسون لا يكلفون طلبتهم بكتابة بحوث، أو أنهم يكلفونهم بكتابتها لكنهم لا يتعاملون تعاملا جادا مع ما يقدمه لهم الطلبة منها. لكن هذا السلوك ينبغي ألا يساء تفسيره. فالمدرسون يشكون في أن الطلبة مدربون على ممارسة هذا النوع من الكتابة ممارسة صحيحة، وبالتالي، ينظرون إلى تكليفهم بها على أنه ضرب من العبث. فإذا استطعتم، إذن، أن تقنعوا مدرسيكم بأن شكهم في غير محله، وبأنكم تمتلكون مهارات كتابة البحث، فإنهم سيقرأون ما تكتبونه قراءة جادة وسيكوّنون انطباعات من شأنها أن تترك آثارا حسنة على نتائجكم النهائية.

وبامتلاككم هذه المهارات، فإنكم تعمقون فهمكم لأساسيات الكتابة كما تعلمتموها سابقا، وتستطيعون البناء عليها وإطلاق العنان لمواهبكم في تشكيل هذا البناء حسب حاجات الحالة الراهنة. ففي بعض موضوعات البحث، قد تتعدد المحاور الرئيسية، وفي موضوعات أخرى، قد تقتصر على محورين أو ثلاثة، في حين تكثر المحاور الفرعية من الدرجة الأولى أو الدرجة الثانية. وقد تتساوى، أو تكاد، المحاور الرئيسية في عدد محاورها الفرعية في بعض الحالات، وقد تختلف في ذلك اختلافا كبيرا. وقد تختارون، في كتابة مقدمة بحث ما، أن تستخدموا نمطا واحدا أو نمطين من الأنماط التي عرفتموها، وتختارون في كتابة بحث آخر، في المقابل، أن تجمعوا بين عدة أنماط، بعضها ربما كان من ابتكاركم. وهذا يصدق أيضا على طرقكم في كتابة الفقرات. فمعرفتكم بالاستقراء والاستدلال، وبأشكال الفقرات المبنية وفقا لكل واحد من هذين النمطين في التفكير إنما يمنحكم قدرة مذهلة على التعامل مع ما تجمعونه من معلومات لتغذية بحوثكم وتقاريركم، فتعرفون متى تفكرون استقرائيا ومتى تفكرون استدلاليا، ومتى تراوحون بين هذا وذاك؛ وتعرفون متى وكيف تستخدمون آلية التمثيل أو المقارنة أو المقابلة أو الوصف أو الإحصاء أو السبب والنتيجة أو الشرح المنطقي. وكذلك، فإن إدراككم لمفهوم “الفقرة الفعلية” و”الفقرة الشكلية” يمكنكم من ممارسة سيطرة أكبر في توجيه المناقشة وتقسيمها، وفي إبراز الخطوط والألوان الأساسية في كل محور من المحاور.

وامتلاك مهارات كتابة البحث لا يقتصر في فائدته على تعميق فهمكم لأساسيات الكتابة، بل يعزز ثقتكم في أنفسكم أيضا؛ ستشعرون أن الفجوة ضاقت كثيرا بين ما تملكونه أنتم وما يملكه مدرسوكم. فالفارق الجوهري بينكم وبينهم لا يتمثل في أنهم يعرفون أكثر، وإنما في أنهم يمتلكون منهجا متطورا في التعامل مع المعرفة. وهذا المنهج لم يتأت لهم عن طريق القراءة والاستيعاب، وإنما عن طريق النظر فيما يقرأونه وتحليله وتفكيكه وإعادة تركيبه، أي عن طريق ممارسة البحث. فإذا مارستموه أنتم ، رحتم تصعدون إلى مستواهم، وأصبحتم أكثر قدرة على فهمهم وإفهامهم معا. كذلك، ستشعرون أن الفجوة قد ضاقت بينكم وبين مقرراتكم الدراسية. فهذه المقررات حصيلة بحوث، أو هي بحوث أصلا؛ فإذا كنتم متمثلين لآليات البحث ومناهجه، سهل عليكم متابعة المادة المقررة وتسجيل ملاحظات حولها وإقامة روابط جديدة بين عناصرها، وربما عرضها في صورة أفضل مما هي عليه—وهو ما سيجعلكم تتركون آثارا حسنة لدى مدرسيكم.

حقوق النشر محفوظة لـ مركز القلقشندي للكتابة و الترجمة و البحث العملي © 2017 تصميم | شركة ركن الابداع للحلول البرمجية و التسويق الالكتروني